اخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية » الاخبار » الكورونا ونسبية حقوق الإنسان

الكورونا ونسبية حقوق الإنسان

الكورونا ونسبية حقوق الإنسان

علاء شلبي 

محام – رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان

تكتسب معايير حقوق الإنسان قوة إلزامية نابعة من كونها إطار منهجي متكامل للتطور القانوني الذي يوفر الحماية والنماء للحقوق والحريات، ووفق صيغة تستجيب لتطور النظم القانونية وهيكلية الدولة المعاصرة.

ولطالما حكمت منظومة القيم الليبرالية سياق نمو حقوق الإنسان من زاوية المفهوم، ومن زاوية تفصيل ووضع الضمانات، ومن زاوية الممارسة العملية والمقاربات التطبيقية.

وبعيدا عن اضاعة الوقت في الحديث عن تسييس حقوق الإنسان في سياق الصراعات الدولية، تشكل أزمة تفشي وباء الكورونا تحديا غير مسبوق لمفاهيم حقوق الإنسان من زوايا متعددة.

وفي مقدمة ذلك تأتي آلية اتخاذ القرار، حيث يعد النظام الديمقراطي للدولة ضمانة جوهرية لحماية منظومة حقوق الإنسان، وخاصة ما يعرف منها بالحقوق الأساسية التي لا يمكن التحلل منها في أية ظروف.

ولنأخذ على سبيل المثال لجوء الحكومات الأوروبية لفرض تدابير احترازية في مواجهة تفشي الكورونا، وجاءت التدابير المتبعة أبعد بكثير من التدابير التي تتخذ عند فرض حال الطوارىء، وتم وضع هذه التدابير موضع التطبيق من دون إعلان الطوارئ قانونا، بل ومن دون اللجوء إلى البرلمان لتقنين العمل بهذه التدابير، والتي لم يوضع لها سقف زمني، وفي غيبة الرقابة القضائية.

لم تعرف الدول الأوروبية قبلا توظيفا للجيش في مواجهة الكوارث والازمات، إلا في تجارب محدودة وعلى نطاق مكاني وزمني ضيق للغاية، وتحت رقابة القضاء. بينما الآن يمارس الجيش دورا مساندا الشرطة في فرض الأمن وحماية المدن وفرض حظر التجوال وتطويق المناطق المعزولة وضبط معدلات الاستهلاك السلعي في الأسواق.

لكن هذه الإجراءات بما في ذلك القيود شبه المطلقة على التتقل، لم تواجه أي جدل أو مماطلة تذكر.

وفضلا عن الية اتخاذ القرار، فقد بات ممكنا المفاضلة بشأن من يستحقون الأولوية في تلقي العناية الطبية الواجبة، وهو ما يضرب قيمة المساواة في مقتل خطير، وهو قرار لا يمكن توفير الضمانات لحسن تطبيقه، فلا رقابة ممكنة على المفاضلة بين انسان وآخر عندما يتعلق الأمر بالحياة، أو بالأحرى عندما يتعلق الأمر بالموت، وما إذا كان ذلك “قتلا”.

بطبيعة الحال، يشكل الحق في الحياة جوهر حقوق الإنسان، يليه الحق في العيش بكرامة الذي لا يتحقق بدون احترام كافة الحقوق، غير أن الإجراءات التي تتخذها الحكومات في أوروبا وما وراء أوروبا تستهدف بطبيعتها حماية الحق في الحياة، وسط مشاعر عارمة بأن الإنسانية تواجه معركة بقاء لم تعرفها من قبل، وهو ما أضعف امكانية المجادلة بشأنها.

وخلال الأسابيع الخمسة الاولى، ناهضت بعض المؤسسات الحقوقية والخبراء، بما في ذلك مقررين تابعين لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة حزمة التدابير الأولية التي اتخذتها الصين وعدد آخر من الدول، رغم أن تلك التدابير كانت أضعف بكثير من التدابير المتبعة اليوم، لكن هذه المناهضة سرعان ما خفتت في ضوء خطورة التهديدات الماثلة.

بينما لم تخفت الامال في التوصل لعلاج ناجع في وقت قريب يضع حدا للوباء والمخاوف العالمية من انتشاره، ويليها بطبيعة الحال التراجع عن التدابير الحالية المتخذة في إطار خطط مواجهة الوباء واحتواء آثاره.

لكن هذه التجربة تطرح بلا شك أسئلة حول نسبية حقوق الإنسان في سياق الأزمات، والاستثمار المحتمل لهذه الأزمة في التغاضي عن تدابير وضمانات راسخة لحماية حقوق الإنسان ما بعد انقشاع الغمة الحالية، خاصة في ظل تصدعات وضعية حقوق الإنسان عالميا، سواء مع ارتفاع التيار الشعبوي واليمين المتطرف في بلدان الشمال الغنية، ورغبة الحكومات في بلدان الجنوب الفقيرة في التحلل من بعض التزاماتها باحترام وحماية حقوق الإنسان.

إن التفهم الذي تبديه الشعوب لهذه الأنماط الجديدة من السياسات، والاستعداد لتحمل تبعاتها السلبية في الوقت الراهن أمر مستساغ. وكما اثبتت هذه الأزمة احتياج الشعوب القطعي لدور قوي للدولة والمؤسسات التنفيذية في الحياة العامة وفي الشأن الاقتصادي، وأهمية دور المؤسسات الأمنية والعسكرية، فقد أثبتت أيضا أن الاستثمار في التعليم والصحة هو أمر لا مناص منه، فبدونهما لا يمكن توفير نظام صحي قادر على مواجهة تحديات بهذه الجسامة، وبدون أجيال متعلمة وواعية، لن يصمد نظام صحي في مواجهة تحدي كهذا.

تؤثر الأزمة الحالية على قناعات كانت تبدو استحقاقات راسخة، مثل تفشي أنماط الاستهلاك في زمن ما بعد الحرب الباردة وتأثيرات ثورة الاتصال والعولمة، وصولا لمفهوم جودة الحياة الذي بات معيارا حاكما في الأونة الحالية.

ومن المتوقع أن تلقي الأزمة بظلال كثيفة على السلوكيات المنحرفة للشركات العالمية في توجيه ميزانيات البحوث العلمية للأمور الأقصى ربحية على حساب أمور متوسطة أو قليلة الربحية، لكنها أكثر فعالية في الحد من الخسائر.

كما من شأن هذه االأزمة أن تعيد الاعتبار لأولوية التوازن الإيكولوجي وحماية الاستدامة البيئية.

* * *

رابط جريدة  المصري اليوم:

https://www.almasryalyoum.com/news/details/1628818

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى