اخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية » الاخبار » مقال الدكتور يسري مصطفى “المجتمع المدني في مواجهة الوباء : الفاعل والفاقد”

مقال الدكتور يسري مصطفى “المجتمع المدني في مواجهة الوباء : الفاعل والفاقد”

المجتمع المدني في مواجهة الوباء: الفاعل والفاقد

يسري مصطفى

د. يسري مصطفى
جريدة وطني
٨ يونيو/حزيران ٢٠٢٠

لا شك أن الكثير من منظمات المجتمع المدني مناطق عديدة من العالم واجهت تحديات وأزمات على المستويات المحلية ربما تكون أكثر وطأة وخطورة مما نشهده الآن ، مثل الحروب والكوارث الطبيعية والبيئية وحتى الأوبئة محدودة الانتشار. وفي المنطقة العربية، كانت الحروب والصراعات من أكبر التحديات التى تواجه منظمات المجتمع المدني في العديد من البلدان، بل إن منه هذه المنظمات ما تشكل في ظل أوضاع كارثية. ومع ذلك يمكن القول أن العالم، ومنظمات المجتمع المدني بالضرورة، لم يواجه تحديا مثل التحدي الراهن المصاحب لاجتياح فيروس كورونا. إن ما نشهده الآن مختلف نظرا لطبيعته الكونية، وفرض وإجراءات وتدابير كونية وقائية لها آثارها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الآنية والتي قد تمد لفترة طويلة من الزمان. وبالحديث عن المواجهة، فإن المسئولية الرئيسية تقع على عاتق الدول على المستويات المحلية بمؤسساتها السياسية والصحية والأمنية، ولكن بالطبع فإنه من المفترض والمتوقع أن تلعب منظمات المجتمع المدني، بوصفها جزء أصيل من الديناميات المجتمعية، دور رئيسا في مواجهة الجائحة وفي التصدي لآثارها المستقبلية.

ولا يستقيم الحديث عن دور المجتمع في المنطقة العربية في مواجهة الظرف الوبائي الطارئ بدون الإشارة إلى السياق الذي يعمل فيه، ومن ثم قدراته وتوجهاته. فمن ناحية أولى فإن المجتمع المدني في حد ذاته، كما هو معروف، شديد التنوع مابين الخيري والحقوقى والتنموي والإغاثي، وكما سنلاحظ فإن تأثيرات الوضع الحالي تختلف من قطاع لآخر، كما سنوضح ذلك لاحقا. ومن ناحية ثانية، تختلف البلدان العربية فيما بينها في طبيعة ودرجة تطور وفعالية منظمات المجتمع المدني، وبالتالي لا يمكن وضع مقارات بين البلدان، فلكل بلد سياقه الخاص. ومن ناحية ثالثة، تختلف بيئات المجتمع المدني السياسية والقانونية من بلد لآخر، وإن كان التقييد هو السمة السائدة في معظم البلدان العربية، ومنها بلدان أتى عليها الوباء ومجتمعاتها المدنية مكبلة أصلا بقيود تحول دون قدرتها على تنفيذ أنشطتها وبرامجها التقليدية، فهي بلا قدرات ولا موارد تسمح لها بالاستجابة السريعة والفعالة للأزمة. وأخيرا، ينبغي كذلك مراعاة التطور التي حديث خلال السنوات الماضية وظهور ما يمكن أن نسميه الناشطية الافتراضية Virtual Activism وهي مساحة رحبة لتدخلات وفعاليات من أطراف متنوعة واتجاهات متعددة ورسائل متناقضة.

أخذا في الإعتبار هذه العوامل المتعددة، فإنه يمكن النظر في أدوار ومواقف المجتمع على مستويين: المستوى الأول آنى، ويتعلق بالقدرة على التعامل مع الأزمة الراهنة، والمستوى الثاني مستقبلي، أي الدور المتوقع من المجتمع المدني للتعامل مع آثار وتداعيات الأزمة مستقبلا. بخصوص المستوى الأول، يمكن رصد مجموعة من الملامح الأساسية، منها أن هناك استجابة السريعة بادر بها العديد من المنظمات في عدد غير قليل من البلدان العربية، وتحديدا في أنشطة تستهدف الوقاية من الوباء، سواء بالتعقيم أو التوعية بالقواعد الصحية وخاصة في المجتمعات الفقيرة والمهمشة، وكذلك الأنشطة الخيرية المتعلقة بتوزيع أغذية أو تقديم خدمات صحية أولية لبعض الفئات الأكثر تضررا. بالنظر إلى هذا المنحى يمكن القول أن المنظمات التي لها تواجد في الأماكن الفقيرة والمهمشة إمتلكت قدرة أكبر على التواجد، وعلى رأسها المنظمات الخيرية وعدد من المنظمات التنموية المنظمات القاعدية. وسهل من عمل هذه المنظمات إمكانية الحصول على موارد، وإمكانية الوصول للمجتمعات المحلية، والعلاقات غير المتوترة مع السلطات السياسية. وفي الحقيقة يصعب تقييم مدى فعالية مثل هذه الأنشطة، لأن جزء كبير منها يتم رصده من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وبعضها قد يكون لأغراض دعائية.

أما منظمات المجتمع المدنى الحقوقية والدفاعية، والتي يعد تواجدها ضعيف في بعض البلدان أو مكبل بفعل قيود قانونية وسياسية في بلدان أخرى، فمن الملاحظ أنها لم يكن بمقدورها الاستجابة بشكل سريع للجائحة، وعلاوة على ذلك فإنها تبدو غير قادرة حتى على مباشرة أنشطتها التقليدية نظرا لإجراءات الحظر السائدة. وإذا كان ثمة تفاعلات مع الأزمة، فهي ربما تكون التركيز على عدد من المطالبات المتعلقة بأوضاع فئات يمكن أن تكون أكثر عرضة للاصابة بالفيروس داخل السجون أو في معسكرات اللاجئين، أو في مواجهة ظواهر فاقمتها الأوضاع الطارئة وفي مقدمتها العنف الأسري، وأيضا قضايا كبرى تم الصمت هنها تحت ضغط الانشغال بالوباء مثل قضايا الهجرة، والأوضاع في مناطق النزاعات المسلحة. وهنا تحديدا يمكن الحديث عن “الفاقد المدني”، فإذا نظرنا إلى دور المنظمات النسوية، وخاصة تلك التي توفر خدمات الدعم النفسي والقانوني، يمكن القول أن القيود المفروضة على عمل هذه المنظمات فضلا عن ضعف الموارد خلق فجوة لتغطية احتياجات ومتطلبات فعلية للتعامل مع ظواهر العنف الأسري المصاحبة لاجراءات الحظر، وهذه الفجوة لا تعالجها الأساليب الدفاعية، رغم أهميتها، ولكن الأهم هو خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني المباشرة.

وعن المستوى الثاني، أي الجاهزية والقدرة على التعامل مع الأثار والتداعيات المترتبة على انتشار الوباء. فجميع المؤشرات تؤكد أن آثار وتداعيات التدابير والإجراءات التي تم اتخاذها على نطاق كونى سيكون لها بالغ الأثر على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لقطاعات واسعة، وربما يتفاقم الوضع فى المستقبل القريب. وفى هذا السياق يمكن أن تكون أجندات المؤسسات الخيرية ومؤسسات الإغاثة واضحة لأنها تعتمد على معادلة بسيطة وهي تلبية احتياجات مباشرة، ويمكن أن تنشط منظمات تنموية في مجالات التوظيف والقروض الصغيرة، وربما في المجالات الصحية والتعليمية. فثمة العديد من المنظمات والهيئات جاهزة لمثل هذه الأنشطة، ويمكن التحدي في توافر الموارد اللازمة لتلبية هذه الاحتياجات. ولكن التحدي الأكبر لدى المنظمات الحقوقية والدفاعية والتي تحتاج إلى بناء رؤى واستراتيجيات للتعامل مع تداعيات قد تكون هائلة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، ومستجدة وغير مسبوقة على المستويات الثقافية. وربما على هذه المنظمات أن تعيد التفكير في أدواتها وآليات عملها، فنحن على مشارف مرحلة سوف يزداد فيها الطلب على التدخلات العملية والميدانية، والتي لن تعوضها البيانات والمواقف النظرية. ربما تكون آليات التمكين وتطوير القدرات والعمل على السياسات هي المدخل الأساسي لهذه المؤسسات من أجل التفاعل مع مستجدات ومتغيرات الواقع. وللأسف، فإن العوامل المرتبطة بالسياقات التي تعمل فيها هذه المنظمات والتي تم الإشارة إليها سابقا سوف تلعب دور حاسم في تحديد مدى الفعالية والقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

وهناك عدد من النقاط التي ينبغى أخذها فى الاعتبار عند النظر فى أدوار المجتمع المستقبلية، والتى يمكن أن يكون الظرف الراهن فرصة لطرحها، وهى تخص المجتمع المدنى الحقوقية والدفاعية بالأساس، فضلا عن المنظمات التنموية.

أولا: أن الفرضيات بشأن تأثيرات الوباء المستقبلية متعددة، وبالتالى فإن على منظمات المجتمع المدنى، وخاصة تلك التى تمتلك الخبرات والكفاءات وشبكات العلاقات، أن تبدأ عمليات لتقييم الموقف من أجل بناء رؤى استراتيجية، وتحديد ومستوى وحجم التغييرات المطلوبة على مستوى التوجهات والبرامج.

ثانيا: ثمة ضرورة لتقييم الظروف الحالى لاستخلاص الدروس المستفادة ذات الصلة بالجاهزية فى التعامل مع الأزمات والطوارئ من حيث الأدوات والموارد وشبكات العلاقات.

ثالثا: فرض الظرف الحالى على الجميع استخدام تكنولوجيا المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعى فى التواصل والتشاور وحتى فى تنفيذ أنشطة تتعلق بالتوعية وتطوير القدرات، وهذا الأمر يمكن الاستفادة منه حتى فى الظروف العادية لتحقيق تواصل فعال بتكاليف أقل.

رابعا: من المتوقع أن تطرح قضية تنمية الموارد نفسها بقوة خلال الفترة القادمة، سواء بسبب إحتمالية حدوث مزيد من التراجع في دعم منظمات المجتمع المدني مع الركود الاقتصادي المحتمل، أو إعادة توجيه الدعم باتجاه الأعمال الخيرية والإغاثية التي اكتسبت شرعية أكبر في الظرف الراهن. وهو ما يتطلب وضع تصورات ورؤى وتعميق التواصل مع الجهات المانحة لتفادي النقص المحتمل في الموارد.

أخيرا: لا شك أن المرحلة المقبلة سوف تتطلب، ربما أكثر من أي وقت مضى، تفعيل الأدوار التنموية والاجتماعية والثقافية لمنظمات المجتمع المدني، ولذا فثمة حاجة ماسة لتعزيز الجهود من إصلاح بيئات المجتمع المدنى فى المنطقة العربية، والإقرار الفعلي بشراكة المجتمع المدني في مسارات التنمية، فالقيود المفروضة في العديد من البلدان أفضت إلى وجود “فاقد مدني” لا يتفق ومتطلبات التنمية، فضلا عن مقتضيات التعافي في مرحلة ما بعد الوباء.

[هذا المقال تم نشره فى عدد خاص عن وباء كورونا فى مجلة مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث- كوتر:

http://www.cawtar.org/upload/cawtaryat_76.pdf?fbclid=IwAR2cQo4fqYekxKoVH46MLOhHYIuDkEJCh9zP2zksuAq7PofHeBwhT3p5Xb4]

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى